القرطبي

84

الجامع لأحكام القرآن ( تفسير القرطبي )

تدخل على كان . ونحوه " إن كاد ليضلنا " [ الفرقان : 24 ] واللام هي الفارقة بينها وبين النافية . " ولولا نعمة ربى لكنت من المحضرين " في النار وقال الكسائي : " لتردين " أي لتهلكني ، والردى الهلاك . وقال المبرد : لو قيل : " لتردين " لتوقعني في النار لكان جائزا " ولولا نعمة ربى " أي عصمته وتوفيقه بالاستمساك بعروة الإسلام والبراءة من القرين السوء . وما بعد لولا مرفوع بالابتداء عند سيبويه والخبر محذوف . " لكنت من المحضرين " قال الفراء : أي لكنت معك في النار محضرا . وأحضر لا يستعمل مطلقا إلا في الشر ، قاله الماوردي . قوله تعالى : " أفما نحن بميتين " وقرئ " بمائتين " والهمزة في " أفما " للاستفهام دخلت على فاء العطف ، والمعطوف محذوف معناه أنحن مخلدون منعمون فما نحن بميتين ولا معذبين . " إلا موتتنا الأولى " يكون استثناء ليس من الأول ويكون مصدرا ، لأنه منعوت . وهو من قول أهل الجنة للملائكة حين يذبح الموت ، ويقال : يا أهل الجنة خلود ولا موت ، ويا أهل النار خلود ولا موت . وقيل : هو من قول المؤمن على جهة الحديث بنعمة الله في أنهم لا يموتون ولا يعذبون ، أي هذه حالنا وصفتنا . وقيل : هو من قول المؤمن توبيخا للكافر لما كان ينكره من البعث ، وأنه ليس إلا الموت في الدنيا . ثم قال المؤمن مشيرا إلى ما هو فيه ، " إن هذا لهو الفوز العظيم " يكون " هو " مبتدأ وما بعده خبر عنه والجملة خبر إن . ويجوز أن يكون " هو " فاصلا . " لمثل هذا فليعمل العاملون " يحتمل أن يكون من كلام المؤمن لما رأى ما أعد الله له في الجنة وما أعطاه قال : " لمثل هذا " العطاء والفضل " فليعمل العاملون " نظير ما قال له الكافر " أنا أكثر منك مالا وأعز نفرا " [ الكهف : 34 ] . ويحتمل أن يكون من قول الملائكة . وقيل : هو من قول الله عز وجل لأهل الدنيا ، أي قد سمعتم ما في الجنة من الخيرات والجزاء ، و " لمثل هذا " الجزاء " فليعمل العاملون " . النحاس : وتقدير الكلام - والله أعلم - فليعمل العاملون لمثل هذا . فإن قال قائل : الفاء في العربية تدل على أن الثاني بعد الأول ، فكيف صار ما بعدها ينو ى به التقديم ؟ فالجواب أن التقديم كمثل التأخير ، لأن حق حروف الخفض وما بعدها أن تكون متأخرة .